​انفلات الميليشيات في العراق وخطر «الانفجار الطائفي»

​انفلات الميليشيات في العراق وخطر «الانفجار الطائفي»

صحيفة القدس العربي

صحيفة القدس العربي - رأي القدس - وسط اجواء من تفاقم التدهور الامني والاقتصادي في العراق في ظل انهيار اسعار النفط، وعجز حكومة الدكتور حيدر العبادي عن الوفاء بتعهداتها الاصلاحية، تأتي الهجمات الجديدة لميليشيات شيعية ضد سكان من اهل السنة لتصب مزيدا من الزيت على نيران التوتر الطائفي المشتعلة بالفعل. وحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» قبل يومين فان ميليشيات قامت بقتل واختطاف عشرات السنة بهجمات ترقى لـ «جرائم حرب محتملة». وقالت المنظمة ان «عناصر من ميليشيات شيعية، ضمتها الحكومة إلى قوات الجيش، اختطفت وقتلت العشرات من السُّنة، المُقيمين في بلدة المقدادية، ذات الأكثرية الشيعية، في محافظة ديالى». وأضافت، أن «تلك الميليشيات قامت أيضا بهدم منازل ومتاجر ومساجد سُنّية، وذلك في أعقاب تفجيرين وقعا بالبلدة في 11 يناير/ كانون الثاني الجاري، وأوقعا نحو 26 قتيلا». وأشارت في تقريرها، أن «مسلحي ميليشيا فيلق بدر، وعصائب أهل الحق، اللتين تتلقيان الدعم من إيران، قاموا بمُهاجمة السُنة، وكذلك منازلهم ومساجدهم، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل، وربما أكثر، وكذلك اختطاف عشرات آخرين».

وتمثل الهجمات الجديدة تكريسا لحالة الانفلات الامني مع ارتكاب تلك الميليشيات انتهاكات طائفية، في المناطق التي جرى استعادتها من تنظيم «الدولة» العام الماضي وخاصة في محافظتي صلاح الدين وديالى. اذ بدلا من ان يتم تقديم المسؤولين عن الجرائم السابقة للمحاكمة، وهو ما طلبه رئيس الوزراء وتعهد به، يشير تكرار الهجمات في المقدادية ووصولها إلى مستوى جرائم الحرب إلى خروج الميليشيات عن السيطرة ما قد يدفع البلاد إلى خطر حقيقي من الانفجار الطائفي. وليس خافيا ان الجيش العراقي مازال يعاني نقصا فادحا في التسليح والتدريب، على عكس الصورة التي يحاول تصديرها رئيس الحكومة ووزير دفاعه، وهو ما يجعل قوات الحشد الشعبي تتصرف على انها فوق القانون وخارج نطاق المحاسبة بالنظر إلى ما تتمتع به من نفوذ حاسم في المعارك ضد تنظيم «الدولة». وينبغي التوقف عند ما قد يكون حسابات سياسية خاطئة.

اولا: ان فشل الحكومة العراقية في السيطرة على الحشد الشعبي يقوض مصداقيتها فيما يتعلق بالحديث عن الجهود في محاربة تنظيم «الدولة» الذي يستفيد حتما من ازدهار القتل الطائفي. ويحدث هذا في وقت حرج تتكثف فيه الجهود، او هكذا يفترض، سعيا إلى القضاء على التنظيم. ويثير هذا الفشل سواء كان متعمدا او انعكاسا لعجز الحكومة، اسئلة صعبة بشأن اجندتها الحقيقية فيما يتعلق بمرحلة ما بعد تحرير العراق من التنظيمات الإرهابية. واذا كان ظهور الميليشيات الشيعية جاء ردا على ظهور تنظيم «الدولة» واحتلاله مناطق شاسعة في العراق، فان التغاضي عن الانتهاكات الطائفية لا يمكن إلا ان يقوي التنظيم ويمنحه المبررات والذخيرة السياسية والايديولوجية لتجنيد عناصر جديدة.

ثانيا: على الصعيد السياسي ينذر استمرار الانتهاكات الطائفية بالاقصاء الشامل لأهل السنة، والقضاء على الامل في تحقيق التوافق المجتمعي لاعادة البناء وصياغة نظام سياسي بعيدا عن المحاصصة الطائفية، وسطوة رجال الدين، وهو ما طالبت به المظاهرات الاخيرة. ولا يمكن إلا ان يفتح هذا المجال امام تحويل العراق إلى ساحة للحروب الطائفية الاقليمية. وايا كان الدور الذي يلعبه الحشد الشعبي في مواجهة تنظيم «الدولة» فان هذا لا يمنحه الحق في تقويض الدولة العراقية او ما تبقى منها.

ثالثا: ان المجتمع الدولي الذي يقدم الدعم السياسي او الاقتصادي او العسكري للعراق يتحمل مسؤولية قانونية واخلاقية في العمل على وقف تلك الانتهاكات عبر ممارسة ضغوط مباشرة على الحكومة والميليشيات، بالنظر إلى التأثير السلبي بل الخطير الذي اصبحت تمثله داخل العراق وخارجه، حيث تغلي المنطقة بالفعل بالنزاعات والصراعات الطائفية، إلا ان المعطيات في المنطقة تفرض اولويات قد لا يجد العراق موقعا متقدما فيها.

واخيرا فان المراقب للوضع العراقي لا يكاد يملك سببا مقنعا للتفاؤل خاصة مع عجز الحكومة عن تقديم رؤية سياسية متماسكة للعبور بالبلاد من امتحان احترام القانون فيما تتفاقم معاناة المواطنين من عودة عمليات الخطف والنهب والقتل في مناطق واسعة من البلاد.


شارك الموضوع ...

كلمات دلالية ...

العراق  ,   حيدر العبادي  ,   الميليشيات  ,