​دراسة صادرة عن معهد جايمس بايكر للسياسة العامة

​دراسة صادرة عن معهد جايمس بايكر للسياسة العامة

اوباما

..إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط..

غاندي المهتار من بيروت: تتعرض سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الخارجية، خصوصًا في الشرق الأوسط، لسيل من الانتقادات، منذ تهديد تنظيم (داعش) لأمن العراق في منتصف العام 2014.

وقد وصف المنتقدون، الذين ينتمون إلى جهات مختلفة المشارب في الولايات المتحدة، هذه السياسة بالناعمة والمترددة، خصوصًا بعدما تفاجأ أوباما وأركان إدارته بسقوط الموصل العراقية بيد هذا التنظيم في حزيران (يونيو) 2014، فأعلن أن الهدف المطلوب تحقيقه هو تدمير داعش.

فأطلق التحالف الدولي الذي تقوده أميركا حملة من الغارات الجوية على مواقع التنظيم في العراق وسوريا، ما زالت مستمرة حتى الآن. كما تساعد الولايات المتحدة القوات العراقية في استعادتها لما خسرته من مناطق، فنجحت هذه المساعدة في تكريت وفشلت في الرمادي، ناهيك عن التردد الدائم في إعانة المعارضة السورية. إلا أن الانتقاد توسع ليطال السياسة الأميركية في كامل المنطقة المستعرة، من العراق وسوريا إلى اليمن، إلى كامل الخليج الفارسي.

يومًا بيوم

كانت هذه مقدمة لا بد من أن يتذكرها جو بارنز، الزميل في معهد جايمس بايكر للسياسة العامة بجامعة رايس الأميركية، وأندرو بوين، مدير قسم الدراسات الشرق أوسطية في مركز الاهتمام الوطني، وذلك في دراسة أعداها بعنوان "إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط".

يقول المؤلفان، بدايةً، إن في هذه الانتقادات بعضاً من الحقيقة، "فالادارة الأميركية الحالية تعتمد سياسة إدارة الأزمات يومًا بيوم، وتتعمّد أن تظهر وكأنها تحقق الانجازات".

كما يريان انفصالًا حقيقيًا بين وصف التهديد الخطير الذي يشكله داعش وبين التمسك بوعد الرئيس بأنه لن يزج بقوات أميركية في هذا الصراع، ويبرران التشكيك في عمق السياسة الأميركية حيال النزاع السوري، وحيال التزام الادارة الأميركية بالتخلص من نظام بشار الأسد، إذ يبدو ما يقال عن دعم أميركي لما يسمى "المعارضة المعتدلة" في سوريا ليس أكثر من مجهود موضعي، لإسكات اصوات تعلو في أميركا وفي خارجها، تذكر أوباما بإعلانه في العام 2011 أن على الأسد أن يرحل.

والنقد موصول لسياسة الرئيس الإيرانية، ولجهوده الحثيثة كي يقيم اتفاقًا نوويًا مع إيران، رغم الأصوات التي تعلو ضد هذا الاتفاق، مخافة أن يعزز موقف إيران المالي من خلال رفع العقوبات عنها، وأن يرفد نزعتها التوسعية في المنطقة، وأن ينفّر أصدقاء أميركا في المنطقة، وتحديدًا المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

مسائل شائكة

يقول مؤلفا الدراسة إن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تمتلك سمات عدة، على رأسها المرونة اللازمة للتصدي بسرعة لتغيير الأحداث، وفهم حدود القوة الأميركية، وضرورة المواءمة بين القول والفعل، وحتمية المفاضلة ولو كانت مؤلمة بين مصالح الولايات المتحدة وقيمها، وتقدير مخاطر تحول مهمة محدودة قصيرة الأجل إلى عملية واسعة النطاق، والخطوة الأهم هي "العودة إلى الأساسيات" عن طريق التحري الجوهري للمصالح الأميركية.

ولهذه المصالح وجوه عدة، على رأسها النفط، والعلاقات مع إسرائيل والسعودية وإيران، والمسألة السورية، والارهاب. وبحسب بارنز وبوين، إن التعقيدات الكبيرة التي تعتري القضايا السياسية المختلفة والمستعرة في الشرق الأوسط تصعّب أي مسلك لأي حل مستدام، ما يطرح جملة تساؤلات حول التضارب في المصالح الأميركية، والتحديات التي تواجهها الادارة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط، والأساليب التي على الأميركيين اعتمادها للحفاظ على المكانة الأميركية في العالم، وعلى المصداقية الأميركية مع حلفائها في المنطقة، خصوصًا أن الثقة شبه مفقودة.

العراق

الوضع في العراق بالغ الخطورة، بحسب الدراسة. فداعش متمكن من مناطق شاسعة فيه، "بينما يبدو الشيعة والأكراد قادرين – بدعم من الولايات المتحدة – على الدفاع عن مناطقهم بوجه داعش، ومع الصعوبة التي يواجهها العراقيون في استعادة مناطق سنية من التنظيم الارهابي، وخصوصًا الموصل، الحل في تقديم الدعم للسنة العراقيين المعادين لداعش، إلا أن كسب ثقة هؤلاء لا تتم فقط بتقديم الدعم، ولكن بدفع النظام العراقي على احترام المطالب السنية لتحقيق اندماج السنة في الحكومة بشكل فعال". استعادة الرمادي لن تتم قبل آب (أغسطس)، موعد جهوز القوات العراقية التي يجري تدريبها لهذا الهدف، كما أن الميليشيات الشيعية التي تقاتل داعش تحظى بالدعم الجوي الأميركي، وتحقق لذلك إنجازاتها العسكرية.

يرى بارنز وبوين أن أوباما محق في حشد دول التحالف إلى جانبه ضد داعش، رغم أن هذا الحشد يقدم دعمًا رمزيًا ليس إلا، "وعند الكلام عن الدعم الحقيقي، المالي والمعنوي، للحكومة العراقية لا يقف في هذه المعمعة إلا تركيا والسعودية، رغم موقفي الرياض وأنقرة الغامضين. فالسعودية ترى في الحكومة العراقية تابعًا لعدوتها اللدودة إيران، وتركيا تخشى التمدد الكردي إلى أراضيها انطلاقًا من الأراضي العراقية، خصوصًا أن لهم اليوم إقليمًا خاصًا هو كردستان العراق، كما أن مساهمة إيران ضد داعش مهمة ولكن مبهمة".

ويقول مؤلفا الدراسة إن تردد أوباما في دخول الحرب في العراق أمر مفهوم، لكنهما مقتنعان بأن عدم التدخل المباشر لن يؤدي إلى نتائج سريعة أو حاسمة ضد داعش في العراق، وينصحان بانتهاج سياسة العمليات الخاصة السريعة والقصيرة، مع ضمان عدم تمددها، أو تحولها إلى عمليات برية تفضي إلى السيطرة على مساحات برية في العراق، "فهذا حصل في السابق وأظهر فشله". ومن دون هذا التدخل، ستكون مهمة استعادة المناطق السنية في غاية الصعوبة.

سوريا

من دون حل سياسي في سوريا، تبقى للجهاديين فيها اليد العليا، خصوصًا داعش وجبهة النصرة, وحتى لو تم إقصاء داعش عن العراق، فإنه يبقى قادرًا على استخدام الأراضي السورية التي يسيطر عليها منطلقًا لعملياته المستقبلية. كما أن اللاجئين السوريين يشكلون عبئًا ثقيلًا على دول الجوار السوري.

يقول بارنز وبوين: "رغم كل ما قيل ويقال عن أخطاء أوباما في معالجته المسألة السورية، من الخطأ التحرك عسكريًا اليوم لإحداث خلل ما يعتقد بأنه يؤدي إلى اجتراح حل للأزمة، ومن الخطأ الانقياد وراء فكرة تقول إن التخلص من الأسد عسكريًا يفتح الباب أمام حل في سوريا، في ضوء التدخلات الخارجية في الميدان السوري".

كما يريان أن منطقة عازلة في الشمال السوري، لدعم المعارضة المعتدلة التي يديرها الأميركيون ولإيواء اللاجئين السوريين دون خوف الغارات الجوية، تشكل خطرًا إضافيًا يجب تجنبه، "لأن تحقيق ذلك يعني أن تدير الولايات المتحدة ولو من بعيد الشمال السوري، ما يهدد وحدة سوريا".

وفي غياب أي نية للتوصل إلى حل سياسي، عند الأسد كما عند معارضيه الكثيرين وعند الدول المؤثرة في سوريا، على الولايات المتحدة أن تدعم دول الجوار السوري كي تتجنب تداعيات الأزمة السورية، لأن عدم استقرارها يعني فقدان الاستقرار في كل المنطقة، من دون التخلي عن الدور الأميركي الفعال في التوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب الأهلية السورية.

إيران

لا يجد بارنز وبوين مفرًا من الاعتراف بشراكة أميركية – إيرانية في العراق ضد داعش، لذا يطلبان من الادارة الأميركية أن تقنن هذه الشراكة، أي أن تنظمها وتضع لها حدودًا واضحة، كي لا تستدعي استنكار وغضب السعودية والدول الخليجية الأخرى. كما يطلبان من إوباما التأكيد أن هذه الشراكة موضعية ومرحلية، ولا تعني بأي شكل من الأشكال دعم الادارة الأميركية للنظام الحاكم في إيران.

ويرى المؤلفان في دراستهما أنه من صالح أميركا أن تتوصل إلى اتفاق يحل إشكالية البرنامج النووي الإيراني، ويؤخر قدر الامكان توصل طهران إلى بناء سلاح نووي، "فالاتفاق الاطاري الموقع في نيسان (أبريل) الماضي خطوة مهمة على هذا الصعيد، والسؤال الذي يطرح في هذا السياق ليس إن كان هذا الاتفاق هو الأفضل، بل حول البدائل المتاحة، وأي فشل في الاتفاق مع إيران يؤدي إلى تصاعد الدعوات لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وإلى تردي العلاقات الأميركية مع إيران التي تعتبر شريكة، ولو غير رسمية، للولايات المتحدة في حربها على داعش في العراق، وإلى إضعاف موقف الرئيس الاصلاحي حسن روحاني أمام المتشددين، وتأخير أي تفاهم ممكن مع طهران".

إلا أنهما يطالبان أوباما بالرجوع إلى حلفائه في المنطقة قبل الاقدام على أي خطوة إيجابية مع إيران، خصوصًأ إسرائيل والمملكة العربية السعودية، كي لا يصطدم تاليًا برفضهما الاتفاق، وبعملهما ضده.

الفلسطينيون وإسرائيل

يدعو بارنز وبوين الادارة الأميركية إلى اتخاذ جانب الحذر حين اقترحت جولة جديدة من المحادثات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وإلى عدم الاقدام على هذه الخطوة قبل الحصول على موافقة الطرفين وعلى تأكيدات منهما أنهما مستعدان لتقديم ما يلزم من التنازلات لإنجاح المفاوضات، وإلا سارت هذه المفاوضات على خطى سابقاتها، نحو الفشل الذريع.

هذا ليس دعوة للادارة الأميركية كي تتخلى عن دورها وسيطًا في هذا الصراع القديم، لكنه دعوة صريحة للاستعداد لاستمرار الوضع القائم، كما هو، في المستقبل المنظور، ما قد يقفل الباب أمام حل الدولتين، الذي كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يسعى لتسويقه لدى الطرفين، كحل نهائي للصراع. لكن ما هو البديل. فحل الدولة الواحدة مرفوض، خصوصًا من إسرائيل، لأنه ينزع عنها صفتها الأساسية وهي أنها دولة يهودية. لذا، يرى بارنز وبوين أن الادارة الأميركية قد تجد نفسها تدير الأزمة الفلسطينية – الاسرائيلية من دون أن تحلها، وذلك لوقت قد يطول.

كما يطالبان الولايات المتحدة بعدم المغالاة في إطلاق الوعود والتوقعات، كما فعل أوباما في خطابه الشهير بجامعة القاهرة في 2009، أو كما فعل كيري في مبادرته الأخيرة، لأن ذلك يطيج بالمصداقية الأميركية.

الارهاب

يخاف الأميركيون، والغرب ككل، من عودة الارهاب الاسلامي المتطرف ليضرب ثانية، كما فعل في 11 ايلول (سبتمبر)، فحوادث أخيرة كالتي جرت في باريس تظهر شهية المتطرفين للهجوم في عقر دار الدول الغربية. إلا أن ما لا يتنبه إليه السياسيون الأميركيون هو أن معظم الهجمات الارهابية تحصل في الشرق الأوسط، في دول تعتبرها الولايات المتحدة مهمة وضرورية لمصالحها.

يرى بارنز وبوين أن قدرة داعش على احتلال مساحات شاسعة من الأراضي وإدارتها ترتد عليه سلبًا، إذ تصبح قوة التنظيم في مرمى الحرب التقليدية، التي تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها ناصيتها بقوة نارية وهجومية كبيرة. لكن هذا لا ينفي أن داعش يشكل خطرًا كبيرًا وغير تقليدي على دول الغرب والولايات المتحدة، بل على العكس، إن وجد داعش نفسه مقهورًا في حرب تقليدية تشنها عليه الولايات المتحدة، فقد يرد بعمليات غير تقليدية في عقر دارها، فيستهدف المدنيين انتقامًا.

تقول الدراسة: "علينا أن نعترف بخطأ اعتقادنا بأننا سنهزم الارهاب بنفس الطريقة التي هزمنا بها ألمانيا النازية واليابان الامبريالية في الحرب العالمية الثانية، فالارهاب الاسلامي ظاهرة لها جذورها العميقة في الأركان الراديكالية للاسلام المتطرف، الذي يجر وراءها تاريخًا طويلًا يختلف من دولة إلى أخرى، وفكرة أن الولايات المتحدة قادرة على تغيير الدينامية الداخلية في الاسلام فكرة خطيرة".

لهذا، لا يسع الولايات المتحدة إلا أن تتعاون مع دول إسلامية معتدلة في حربها الدائمة على التطرف والارهاب.

النفط

يتركز الخطر على مصالح أميركا النفطية في العراق. لكن حسن الحظ قضى بأن تكون حقول النفط العراقية موجودة في جنوب البلاد، حيث يسيطر الشيعة، وفي شمالها، حيث يسيطر الأكراد، ولا وجود لداعش في المنطقتين. كما أن الدعم الجوي للقوات العراقية والميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبها قادر على حماية بغداد والحقول النفطية من أي تقدم لداعش. وهذا الدعم الجوي نفسه يمكن الأكراد في شمال العراق على حماية مناطقهم من أي هجوم لداعش.

وهكذا، بالرغم من الخطر الذي يشكله داعش، ينتج العراق اليوم نفطًا أكثر مما كان ينتجه خلال 35 عامًا. أما إذ وصل تهديد داعش لحقول النفط في الشمال أو الجنوب، فعلى الولايات المتحدة أن تتصرف بسرعة، حتى لو اضطر الامر إلى إرسال قوات برية إلى العراق.

أما الجانب الآخر من القلق الأميركي في هذا السياق، فناتج من التهديد الإيراني بإقفال مضيق هرمز، لكن إيران لن تقدم على ذلك، إذ تدرك أن القوة البحرية الإيرانية قادرة على إغراق بحريتها سريعًا والسيطرة على المياه الدولية.

وإذا فشلت المفاوضات حول النووي الإيراني، فالتوتر سيعود إلى العراق بين طهران وواشنطن، لذا على الادارة الأميركية الحفاظ على خيوط اتصال بالقيادة الإيرانية لتجنب أي أزمة لا تحمد عقباها.

الديمقراطية

يقول بارنز وبوين إن الولايات المتحدة طالما روجت للديمقراطية في الشرق الأوسط، لكنها ربطت ذلك دائمًا بمصالحها، حتى أنها دعمت حكامًا غير ديمقراطيين مثل شاه إيران وصدام حسين وحسني مبارك، حتى أنها تغاضت أخيرًا عن الاطاحة برئيس تم انتخابه بالتصويت المباشر في مصر. وحين دعمت الاطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي ساهمت في إحداث حالة من الفوضى العارمة في ليبيا.

لا يدعو مؤلفا الدراسة الادارة الأميركية إلى التخلي عن مبدأ الترويج لحقوق الانسان، "لكن علينا أن نكون صادقين مع الآخرين، وخصوصًا حلفائنا، ومع أنفسنا، وأن نوجه دعمنا لدول تملك فيها الديمقراطية مستقبلا وحظًا في التشكل، كتونس مثلًا".


شارك الموضوع ...

كلمات دلالية ...

لا يوجد وسوم لهذا الموضوع.

0