أثيل النجيفي يعرض رؤيته في الملتقى الثاني عن (الصراع على الموصل وأثره على مستقبل المدينة)

أثيل النجيفي يعرض رؤيته في الملتقى الثاني عن (الصراع على الموصل وأثره على مستقبل المدينة)

أثيل النجيفي القيادي في حزب للعراق متحدون

 أثيل النجيفي يعرض رؤيته في الملتقى الثاني عن (الصراع على الموصل وأثره على مستقبل المدينة)

المكتب الاعلامي.. القى السيد أثيل النجيفي القيادي في تحالف القرار العراقي محافظ نينوى الاسبق محاضرة قيمة في المنتدى السياسي العراقي/ الملتقى الثاني ، بعنوان ( الصراع على الموصل واثره على مستقبل المدينة).. ولأهمية ما ورد في المحاضرة من مضامين ورؤى وجدنا من المناسب عرض المحاضرة كاملة تعميما للفائدة..

في الحديث عن الصراعات على مدينة الموصل يجب ان ننبه بأننا لا نتحدث عن مدينة تعدادها ٢ مليون نسمة بل نتحدث عن محافظة تعدادها ٤ مليون نسمة تمتد من سنجار غربا الى سهل نينوى شرقا مرورا بتلعفر ومخمور وجنوب الموصل وفي كل منطقة من هذه المناطق صراع مختلف عن الآخر يندلع بين حين وآخر ويدفع عدد كبير من النازحين والمشردين الى داخل المدينة ومعهم أزمات ومشاكل بدون اي اهتمام ورعاية حكومية

ومما يزيد في تعقيد المنطقة ان فئات واسعة من المجتمع أصبحت ضعيفة بسبب الفقر والجهل والملاحقات السياسية والقانونية و يسهل استغلالهم كأدوات في تلك الصراعات لاسيما مع وجود الصراع الامريكي الايراني . ولا ابالغ عندما أقول بان الوضع العراقي عموما وفي نينوى بصورة خاصة يتحول تدريجيا إلى النموذج اللبناني المتمثل بدولة ذات وجود معنوي تسيطر على مدن قليلة وقوى وعصابات ومافيات أقوى من الدولة تتحكم ببقية الدولة ومواردها.

وقبل الحديث عن الواقع الحالي لمدينة الموصل لابد من اعطاء لمحة سريعة عن الوضع السياسي في الموصل من عام ٢٠٠٣ وحتى عام ٢٠١٧ اي الى حين انتهاء عمليات التحرير لكي نفهم لماذا وصل الامر لهذا الحال

فبعد عام ٢٠٠٣ سيطر على الرأي العام في الموصل التيار الرافض للعملية السياسية وكانت القوى الإسلامية السنية هي المتغلبة اما القوميون فقط اضطروا إلى لبس العباءة الدينية ايضا والاعتماد على فصائل تحمل الراية الدينية ايضا .

وبقيت نسبة ضئيلة من السنة قررت الدخول في العملية السياسية ولكنها واجهت مجتمع رافض للممارسة السياسية ويدعو الى تغيير المعادلة من خلال حمل السلاح او المقاطعة وانتظار فشل الداخلين في العملية السياسية .

ولم تكن الجهات المقاطعة تقبل مراجعة حساباتها ومعرفة خطورة النتائج اذا فشلت العملية السياسية وكيف سينعكس ذلك الفشل على مجتمعها . بل كانت تتصور بكل بساطة بان الفشل سيعيدها الى نقطة الصفر للبدء بعملية سياسية جديدة تمنحهم مشاركة عادلة.

وبالمقابل استغلت الاحزاب الدينية الشيعية هذه المقاطعة ودفعتها نحو التطرف للانفراد بالمكاسب كما حاول الاكراد المضي في مشروعهم غير مكترثين بما يحصل داخل المنطقة العربية حتى أكملت الاحزاب الدينية سيطرتها على المنطقة العربية وانتقلت للسيطرة على المنطقة الكردية ايضا.

اما خارجيا - وكما هو معروف - اتفقت الإرادتين الامريكية والإيرانية لاسيما في ادارة اوباما على دعم القوى المدعومة من ايران وتسليمها مقاليد الأمور في الدولة العراقية.

بقيت الموصل هي المدينة الأكثر عصيانا وتمردا على العملية السياسية وبينما كانت الادارة المحلية في الموصل تدعو لاحتواء المقاطعين ودمجهم في العملية السياسية للحفاظ على البنية المجتمعية كانت الاحزاب المدعومة ايرانيا تدعو الى المجابهة العسكرية مع كل المقاطعين وتطويعهم بالقوة العسكرية وبعد ان عجزت عن ذلك قررت تسليمهم بيد داعش عام ٢٠١٤.

وعلى الرغم من الحالة المأساوية التي أصبحت فيها الموصل في فترة حكم داعش الا اننا لا نستطيع ان ننكر بان عامة الشعب لم يكن مكترث بقدوم داعش وزوال سلطة الدولة العراقية بل كان يتصور نفسه غير معني بالأمر وهذا مؤشر على درجة الوعي السياسي .

ثم كان أسلوب داعش مع أهالي الموصل هو الدرس الاول القاسي الذي تلقونه . اعقب ذلك الدرس القاسي الثاني في طريقة التحرير التدميرية التي تعاملت مع الموصل كأرض محروقة . واعقبها ثالث الدروس القاسية في هيمنة الحشود الوافدة بعد التحرير والمكاتب الاقتصادية والاعتقالات ومعسكرات النزوح لعوائل الدواعش وكل مشتبه به وما يجري هناك من انتهاك للأعراض وسوء تربية لجيل جديد مهيأ لتطرف اكبر.

ولم تحض هذه الضربات التي تعرض لها المجتمع الموصلي باهتمام حقيقي او برامج مضادة سياسية او اجتماعية او اقتصادية من أي جهة داخلية او خارجية بل تُرك المجتمع الموصلي ليضمد جراحاته بإمكانياته الضعيفة .

وحتى الدول التي يفترض بها داعمة للمجتمع السني لم تقدم اي مشروع لاعادة تأهيل المجتمع في فترة ما بعد داعش كما ان ليس لديها اي مشروع استراتيجي معتمد لدى تلك الدول تجاه العراق ماعدا ايران التي كانت تمتلك لوحدها مشروع استراتيجي في المنطقة.

ولهذا فاننا عندما نتحدث عن اليأس والإحباط الذي يسود الحالة السياسية والاجتماعية في الموصل لابد ان ندرك بانه نتيجة طبيعية لهذه الضربات القاسية التي تلقاها المجتمع بدون برامج رعاية او اعادة تأهيل وسأتحدث عن الجوانب السياسية والاجتماعية والمكوناتية اما الجانب الاقتصادي فانه يحتاج الى بحث مفصل مستقل .

أولا – الجانب السياسي

يتسم الوضع السياسي حاليا في الموصل بحالة الإحباط والجمود . فعلى المستوى الجماهيري تغلب حالة الإحباط وعدم الرغبة بالتفاعل سياسيا على المجتمع الموصلي ولا تقتصر هذه الحالة على العرب السنة بل تشمل اليزيدية والمسيحيين وبعض الاكراد ايضا. اما النسبة الضئيلة من الاحزاب الدينية الشيعية ومؤيديهم فانهم يعيشون حالة النشوة والاستئثار بمعظم مرافق الادارة والسياسة.

ولم تعد تلك الاحزاب الدينية تتستر على ولائها لايران بل اصبح احد مصادر قوتها مع الترويج الدائم بان ايران هي الوحيدة التي ساعدت العراق للقضاء على داعش.

تعتمد هذه الاحزاب بالدرجة الأولى على المكونات القريبة منها الذين لا تتجاوز نسبتهم ٥٪؜ من السكان ويلتف حولهم عدد من المنتفعين.

اما بقية القوى السياسية في نينوى فقد انتهجت منهجين مختلفين

الاول يتماشى مع النفوذ الايراني ويحاول اجتياز المرحلة بأمان ودون خسائر واذا أمكن الحصول على بعض المكاسب السياسية وتستخدم بعض الاحزاب الكردية والحزب الاسلامي هذا المنهج من خلال ممثليهم في مجلس المحافظة وتشاركهم كتل سنية اخرى تسعى لاستغلال لجني المكاسب الشخصية والاستفادة من فتح المشروع الايراني لبوابة الفساد لمن يسير في ركبهم .

اما الثاني فقد بقي محتفظا بمنهج المعارضة السياسية للمشروع الايراني ولا يخفي معارضته ويسعى لتحشيد المواطنين معه في هذه المعارضة . ولا ابالغ عندما أقول بان متحدون هو رأس الحربة في هذه المعارضة .

اما القوى التي كانت مقاطعة للعملية السياسية فانها تعتبر حاليا هدف امني مباشر من قبل الحشود والأجهزة الأمنية ولا تتمكن من القيام بأي نشاط سياسي سري او علني كما ان موقفها في مرحلة داعش افقدت ثقة جماهيرها بها .

ثانيا – الجانب الاجتماعي

مع بداية الاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ تغلب فكر ديني متطرف على القوى التي رفعت راية المقاومة وتسبب ذلك الفكر المتطرف في أضعاف العلاقة بين العرب وبقية المكونات خصوصا المسيحيين واليزيدية الذين سعوا للحصول على الحماية الكردية . الا ان تلك المكونات الصغيرة زجت نفسها - من حيث لا تدري - في دوامة صراع مكونات اكبر منها بكثير وفي كل جولة من جولات الصراع تتعرض تلك المكونات الى ضربات كبيرة مما جعلها تفقد الثقة بمجتمعها وتسعى للهجرة او الحصول على حماية دولية .

كما ان مرحلة داعش وما قبلها وبعدها ساهمت في خلق عداوات عشائرية داخل المجتمع العربي السني ومن نتائج هذه العداوات تحميل النساء والأطفال والعوائل مسؤولية جرائم أقاربهم من الدواعش وعدم الاكتراث بما يحصل لهم في المخيمات من امتهان الكرامة الإنسانية بكل اشكالها وترك جيل جديد ينمو على أقصى درجات الجهل والتخلف والحرمان والحقد .اما ما نسمعه عن عمل المنظمات الدولية والإنسانية فانه لا يتعدى الشكليات البسيطة .

وفي الجانب الاجتماعي ايضا نلمس تغييرات كبيرة في طبيعة الفرد الموصلي واهتمامه بمستقبله او اهتمامه ببقية المجتمع .

ولهذا أقول باننا بحاجة الى برامج تنمية بشرية حقيقية تبدأ بالتعليم وتمتد الى اعادة الوعي الإنساني لمساره الطبيعي بعد ان ضربته العداوات والأحقاد في عدة مراحل متعاقبة .

ثالثا – الجانب المكوناتي

لاشك عندي بان هناك تغير كبير في المزاج الكردي العام بعد الاستفتاء عام ٢٠١٨ والذي انعكس على أكراد الموصل واداء احزابهم . فقد تحولت اولوية الاكراد الى الحفاظ على المستوى المعاشي الذي وصلوا اليه في السنوات الأخيرة والذي بدأ واضحا انه مهدد.

الا ان الاكراد لم يصلوا الى حالة استشعار الخطر المشترك الذين يواجهونه مع السنة من المشروع الطائفي الايراني ولازالوا يعتقدون ان بإمكانهم التعايش مع ذلك المشروع . كما سبق لهم ولم يستشعروا الخطر المشترك عند ظهور داعش وتفوقها .

اما بقية المكونات في نينوى لاسيما اليزيدية والمسيحيين قد فقدوا الثقة بالعرب والاكراد وبالشيعة والسنة ويبحثون كما اسلفت عن حماية خارجية ولديهم محاولات في جلب الحماية الأوربية .

وعلى الرغم من انقسام اليزيدية بين مؤيدين للبككة وآخرين للديمقراطي الكردستاني وفئة ثالثة للحشد الشعبي وفئة رابعة تنادي باستقلالية اليزيدية عن الجميع الا انهم قد اتفقوا داخليا بينهم على عدم الدخول في اي صراع يزيدي يزيدي لصالح اي من الأطراف ويحاولون في هذه المرحلة تأمين العلاقة مع الجهات المتنفذة .

اما الشبك فانهم بحاجة الى قيادات مسالمة تحذر مكونها من الانغماس في الصراعات السياسية والعسكرية او استغلال الوضع المضطرب وأخذ دور لا يتناسب مع حجمهم السكاني .

اما العرب السنة فيعرفون بانهم اول المستهدفين من المشروع الايراني وهناك محاولات حثيثة لخلق فتنة بين اهل المدينة والأطراف للامعان في تفتيتهم . ولكنها في نظري لازالت فتنة سطحية لايمكن لها ان تتعمق ان ببساطة اكثر من ٧٠٪؜ من سكان المدينة هم من أصول ريفية قريبة جدا وليست بعيدة .

ولكن المشروع الايراني مستمر في احباط السنة وإفقادهم الامل من اي تغيير فأزمة الوقف الشيعي - في تقديري - مقصودة لاثارة فتنة طائفية بين الشيعة والسنة في وقت لايمتلك السنة حلا سوى الاستسلام والخضوع بينما تحاول هي الاستفادة من هذه الفتنة لإدامة تحشيد جماهيرها باعتبارها تحقق مكسبا للمذهب.

الخلاصة

قد يبدو المشهد قاتما ولا يبعث على الامل … الا انها حقائق ولا يجوز التحليق في فضاء الخيال وتناسيها .. ولكن الامل موجود .. واقوى عوامل الامل في نظري هو فشل المشروع الايراني من داخله حيث ان منهج اثارة الفوضى الذي اعتمده لا يسمح بوجود منظومات ومؤسسات دولة ويتسبب كذلك بنشر الفساد وضعف الخدمات وكلها علامات ضعف يسهل على القوى الوطنية مجابهتها.

ولكن القوى الوطنية ستبقى عاجزة بدون مشروع استراتيجي يحافظ على امن المنطقة وأمن الدولة العراقية باعتبارها ركيزة أساسية في أمن المنطقة. فالمشروع الايراني الذي لديه تجارب كثيرة في تفجير الفوضى واضعاف دول المنطقة قد يسعى الى خلق الاضطراب في العراق وتصديره للدول المجاورة ومن مصلحة كل الدول ان تمنع ذلك وتحافظ على قوة الدولة العراقية وقدرتها على منع المتطرفين والإرهابيين من شن هجماتهم داخليا وخارجيا.

اما اذا غاب المشروع الاستراتيجي المؤمل ولم تتعاون دول المنطقة والعالم على حفظ امن العراق – لا سمح الله - فان الفوضى قادمة وعلينا ان نضع حينها في أولوياتنا كيفية الحفاظ على السلم المجتمعي في مناطقنا الى حين مرور العاصفة المحتملة .

اما داخليا ففي الوقت الذي يجب على المجتمع العراقي عموما ومنه الموصلي ان يساعد في مشروع اعادة بناء الدولة العراقية وهذه هي الأولوية الأولى الا ان عليه الا يغفل استعداده للحفاظ على السلم المجتمعي اذا انفلتت الأمور وخرجت عن سيطرة الدولة وقدرتها . 


شارك الموضوع ...

كلمات دلالية ...

لا يوجد وسوم لهذا الموضوع.

0