​“الموصل”.. اللعبة الإيرانية في الشرق الأوسط

​“الموصل”.. اللعبة الإيرانية في الشرق الأوسط

مركز الروابط

مركز الروابط - إلى جانب التوقعات التي تؤكد أن معركة الموصل ستكون دموية وقد تمتد لشهور، فإن انخراط عدد كبير من الأطراف فيها قد يؤدي إلى تعقيدات خطيرة بعد تحريرها.

فالولايات المتحدة تدعم الجيش العراقي والعشائر السنية. بينما تعمل قوات البيشمركة الكردية وميليشيا الحشد الشعبي الشيعية على تحرير القرى المحيطة بالمدينة. حيث تقتضي الخطة الهجوم من عدة محاور، وترك ممر مفتوح لانسحاب عناصر التنظيم إلى سوريا.

أما تركيا، التي تقاتل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، فشلت في إقناع باقي الأطراف بالسماح لها بالانخراط في العملية، لكنها تقف على استعداد لاجتياح المنطقة إذا ما اقتضت الضرورة.

وهكذا تتضارب مصالح كل المنخرطين في العملية، وسيسعى كل طرف لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة. من بين تلك الأطراف هي إيران، التي اتخذت موقف العداء تجاه واشنطن لمدة طويلة. لكنها تتعاون معها اليوم في طرد تنظيم الدولة من الموصل. لكن إيران ستواجه تحديات جسام بمجرد تحقيق هذا الهدف، بسبب الفوضى التي تضرب المنطقة.

شراكة قديمة

سيطرت إيران على العراق منذ سقوط صدام حسين في العام 2003، عبر حلفائها الشيعة الذين وصلوا إلى سدة الحكم. ومنذ آنذاك، تعتبر طهران حماية الدولة العراقية، التي دخلت تحت جناحها، مصلحة أمنية كبرى.

وتكمن قوة النفوذ الإيراني في العراق في دعمها للميليشيات الشيعية وقادتها الأقوياء، وقد أنفق الحرس الثوري الإيراني الكثير من الأموال والجهود لتنظيم وتدريب تلك الميليشيات خلال العقد الأخير. وتقع تلك الميليشيات جزئيًا تحت إمرة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، (قوات النخبة في الحرس الثوري). كما أن عمليات فيلق القدس امتدت لدعم بشار الأسد في سوريا. وجرى اتهامه بتأجيج الطائفية في العراق.

واستفادت إيران من الميليشيا الشيعية، لكنها سببت لها الكثير من المشكلات، كانت ميليشيات الحشد الشعبي، التي ساعدت إيران في تشكيلها وحظيت باعتراف حكومة بغداد، لعبت دورًا بارزًا في قتال تنظيم الدولة منذ صعوده، وأتاحت سيطرة الحرس الثوري على تلك الميليشيات الفرصة لتوسع نفوذ إيران سياسيًا وأمنيًا في العراق.

إلا أنه في أثناء انخراطها في الحرب ضد تنظيم الدولة، ارتكبت الميليشيات الشيعية انتهاكات ضد المدنيين السنة على أساس طائفي. وعليه، جرى تهميش دورها في معركة الموصل، بعد أن عبرت عدة أطراف دولية عن خشيتها من تكرار الانتهاكات بحق أهل الموصل. وستُلقى اللائمة في ذلك الأمر على إيران بوصفها الراعي لتلك الميليشيات، في الوقت الذي رفض فيه مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، صراحة مثل تلك الانتهاكات.

وتحاول إيران الحفاظ على العراق كحليف، فهو ليس مجرد جار، ولكن تربطهما علاقات اقتصادية ضخمة أيضًا وتحالف ضد السعودية والمتشددين السنة. إلا أن تحالف بغداد مع واشنطن يسبب بعض التوتر مع طهران.

كان للولايات المتحدة دور هائل في الانتصارات الكبرى التي حققها الجيش العراقي على “داعش”، عبر توفير المعدات العسكرية والتدريب اللازم للقوات العراقية. وما أثار حفيظة طهران أكثر هو أن أمريكا ضغطت على بغداد لاستبعاد الحشد الشعبي من معركة الموصل.

التحديات المتوقعة

وتتناقض المصالح الإيرانية في العراق. فمن ناحية، تسعى إيران إلى توسيع نفوذ الميليشيات الشيعية في الداخل وخاصة ضمن أجهزة الأمن. فكلما سيطرت تلك الميليشيات على مناطق حيوية، كان من السهل على الحرس الثوري تنفيذ مشاريعه في العراق.

ومن ناحية، تأمل إيران أن تبسط الحكومة المركزية سيطرتها على الموصل حتى تبدو كسلطة شرعية أمام سكانها السنة، ولا يمكن تحقيق الهدف الثاني إلا بوقف الانتهاكات الطائفية، ولهذا استُبعد الحشد الشعبي من العمليات الرئيسية في الموصل.

وما قد يزيد الأمور تعقيدًا هو احتمال تدخل تركيا في معركة الموصل. فكل من البلدين تتضارب مصالحهما إلى حد العداوة في كل من سوريا والعراق. وأكدت تركيا حقها في المشاركة بمعركة الموصل، ونشرت قوات على طول حدودها مع العراق تأكيدًا على ذلك الحق.

ويقول التقرير “تعتقد تركيا أن شمال العراق جزء من محيط نفوذها، وقد تحدث أردوغان عن حق بلاده التاريخي في الموصل. وإذا ما شاركت أنقرة في تحرير الموصل، فستؤمن تواجدًا عسكريًا لها في شمال العراق. لكن طهران ستعتبر ذلك بمثابة تهديد مباشر لمصالحها، وستعتبره حكومة العراق احتلالا”.

وأثار هجوم الميليشيات الشيعية على تلعفر غرب الموصل حفيظة الأتراك. وصرح أردوغان قائلا “تمثل مشكلة تلعفر حساسية شديدة لنا. نحن ننظر بعين الارتياب لمشاركة الميليشيات الشيعية في الهجوم على تلعفر وسنجار”.

غلب على سكان تل عفر التركمان، وفيها بعض العرب الشيعة والسنة. وقد فر معظم سكانها من الشيعة بعد اجتياح تنظيم الدولة لها. وتسود مخاوف من انتقام محتمل من قبل الميليشيات الشيعية حال استعادته المدينة. من جانبها، توعدت الميليشيات الشيعية بقتال القوات التركية حال تدخل تركيا في تل عفر.

يشير التقرير إلى أن أكراد العراق سيشكلون مشكلة مشابهة. تتمتع إيران بعلاقات طيبة مع حكومة إقليم كردستان، إلا أنه قد وقعت اشتباكات بين البيشمركة الكردية والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران أكثر من مرة. تعتبر الموصل الجائزة الكبرى في نظر جميع الأطراف، ولذا يسعى الجميع للظفر بأكبر مكاسب منها. صرح قادة جميع القوات المشاركة في العملية بأنهم لن يدخلوا إلى قلب المدينة. ولكن مع وجود هذا الكم من القوى المتنافسة في منطقة واحدة، فإن احتمالية اشتعال القتال بينها تظل مرتفعة.

ويرى التقرير أنه يتعين على إيران منع وقوع أي تضارب في المصالح بين الأتراك والأكراد والشيعة. لكن الخوف ينبع من حدوث توترات في الموصل بعد طرد تنظيم الدولة، حيث سيسعى كل طرف إلى ملء الفراغ الأمني في المدينة. ويتعين على إيران دعم سيطرة الحكومة على الموصل، مع احتفاظ الميليشيات الشيعية بمناطق سيطرة في المناطق المحيطة، مما يمكن طهران من البحث وراء مصالحها وقت الحاجة. ولكن إذا سيطرت أي قوة أخرى على الموصل، سيكون ذلك لعنة على الحرس الثوري الإيراني، وسيلقى مقاومة صريحة من الميليشيات.

ما المقصود بإيران؟

من المعلوم أن لدى إيران رئيس إصلاحي هو حسن روحاني، وهو المسؤول، من الناحية النظرية، عن سياسة بلاده في العراق. إلا أنه على أرض الواقع، فإن نفوذ روحاني يأتي ثانيًا بعد نفوذ سليماني والحرس الثوري. وبسبب العلاقات القوية بين قاسم سليماني وخامنئي، الذي قدم دعمه لاستراتيجية الأول في العراق، فليس أمام روحاني سوى تقبل السير في خطى سليماني.

يقول التقرير إنه على عكس ما يفعله الحرس الثوري هناك، فإن روحاني يفضل العمل عبر القنوات الشرعية مع الحكومات الأخرى. ولو كان لروحاني نفوذ أكبر على سياسة بلاده تجاه العراق، لرأينا اهتمامًا أقل بالميليشيات الشيعية لصالح الحكومة العراقية.

لا يقف التنافس بين روحاني والحرس الثوري الإيراني على الملف العراقي فقط، بل إنه يمتد ليشمل السياسة الداخلية لإيران. تحكم الحرس الإيراني في وضع سياسات طهران في المنطقة، ولم ينازعه روحاني بشكل جاد في ذلك. لكن روحاني استطاع أن ينفرد في التعامل مع أزمة الملف النووي الإيراني وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية مع الغرب. وهذا الاختلاف بين الصقور والإصلاحيين هو ما يؤجج الانقسام في البلاد.

صعد نجم الإصلاحيين في عهد روحاني، لا سيما في البرلمان ومجلس الخبراء. وهو ما يهدد نفوذ الصقور ويدفعهم إلى محاولة هزيمة روحاني في الانتخابات المقبلة. ولعل قيام الحرس الثوري الإيراني باستفزاز السفن الحربية الأمريكية في الخليج الفارسي وقيامه باعتقال المواطنين مزدوجي الجنسية لهو جزء من محاولات تقويض جهود روحاني في التعامل مع الغرب.

هل يتبع الحرس الثوري الأسلوب نفسه في العراق؟

لعل الإجابة تقول إن توسيع نطاق القتال سيضر بمصالحه هناك، لأن هناك حاجة للجهود الأمريكية لهزيمة “داعش.” لكن موسم الانتخابات أو تصاعد التوتر مع تركيا أو الولايات المتحدة قد يدفعان الحرس الثوري إلى خوض هذه المغامرة.

وأخيرا، سنجد أن معركة الموصل هي الأهم في مسيرة الحرب على “داعش”. يهتم الجميع بتحرير الموصل، لكن تضارب يجعل حقبة ما بعد “داعش” محفوفة بالمخاطر.

واستطاعت إيران موازنة مصالحها بين حكومة بغداد وعملائها الشيعة. لكن التهافت على السيطرة على الموصل، فضلاً عن التنافس الداخلي في إيران، قد يجعل من الصعب الحفاظ على ذلك التوازن.

فورين أفيرز – التقرير


شارك الموضوع ...